تفسير سورة أل عمران ، أية 1- 15 -من تفسير أبي السعود

Written on 1:31 PM by Faiz Husaini

سورة آل عمران مدنية وهي مائتا آية 1 2 آل عمران بسم الله الرحمن الرحيم



ألم الله لا اله إلا هو قد سلف أن مالا تكون من هذه الفواتح مفردة كصاد وقاف ونون ولا موازنة لمفرد كحاميم وطاسين وياسين الموازنة لقابيل وهابيل وكطاسين ميم الموازنة لدارا بجرد حسبما ذكره سيبويه في الكتاب فطريق التلفظ بها الحكاية فقط ساكنة الأعجاز على الوقف سواء جعلت أسماء أو مسرودة على نمط التعديد وإن لزمها التقاء الساكنين لما أنه مغتفر في باب الوقف قطعا فحق هذه الفاتحة أن يوقف عليها ثم يبدأ بما بعدها كما فعله أبو بكر رضي الله عنه رواية عن عاصم وأما ما فيها من الفتح على القراءة المشهورة فإنما هي حركة همزة الجلالة ألقيت على الميم لتدل على ثبوتها إذ ليس إسقاطها للدرج بل للتخفبف فهى ببقاء حركتها في حكم الثابت المبتدأ به والميم بكون الحركة لغيرها في حكم الوقف على السكون دون الحركة كما توهم واعترض بأنه غير معهود في الكلام وقيل هي حركة لالتقاء السواكن التي هي الياء والميم ولام الجلالة بعد سقوط همزتها وأنت خبير بأن سقوطها مبنى على وقوعها في الدرج وقد عرفت أن سكون الميم وقفى موجب لانقطاعها عما بعدها مستدع لثبات الهمزة على حالها لا كما في الحروف والأسماء المبنية على السكون فإن حقها الاتصال بما بعدها وضعا واستعمالا فتسقط بها همزة الوصل وتحرك أعجازها لالتقاء الساكنين ثم أن جعلت مسرودة على نمط التعديد فلا محل لها من الإعراب كسائر الفواتح وإن جعلت اسما للسورة فمحلها إما الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف وإما النصب على إضمار فعل يليق بالمقام ذكر أو اقرأ أو نحوهما وأما الرفع بالابتداء أو النصب بتقدير فعل القسم أو الجر بتقدير حرفه فلا مساغ لشئ منها لما أن ما بعدها غير صالح للخيرية ولا للإقسام عليه فإن الاسم الجليل مبتدأ وما بعده خبره والجملة مستأنفة أي هو المستحق للمعبودية لا غير وقوله عز و جل.



الحى القيوم خبر آخر له أو لمبتدأ محذوف أي هو الحى القيوم لا غيره وقيل هو صفة للمبتدأ أو بدل منه او من الخبر الأول أو هو الخبر وما قبله اعتراض بين المبتدأ مقرر لما يفيده الاسم الجليل أو حال منه وأياه ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاق المعبودية به سبحانه وتعالى لما مر من أن معنى الحي الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء ومعنى القيوم الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه ومن ضرورة اختصاص ذينك الوصفين به تعالى اختصاص استحقاق المعبودية به تعالى لاستحالة

سورة آل عمران مدنية وهي مائتا آية 1 2 آل عمران بسم الله الرحمن الرحيم

ألم الله لا اله إلا هو قد سلف أن مالا تكون من هذه الفواتح مفردة كصاد وقاف ونون ولا موازنة لمفرد كحاميم وطاسين وياسين الموازنة لقابيل وهابيل وكطاسين ميم الموازنة لدارا بجرد حسبما ذكره سيبويه في الكتاب فطريق التلفظ بها الحكاية فقط ساكنة الأعجاز على الوقف سواء جعلت أسماء أو مسرودة على نمط التعديد وإن لزمها التقاء الساكنين لما أنه مغتفر في باب الوقف قطعا فحق هذه الفاتحة أن يوقف عليها ثم يبدأ بما بعدها كما فعله أبو بكر رضي الله عنه رواية عن عاصم وأما ما فيها من الفتح على القراءة المشهورة فإنما هي حركة همزة الجلالة ألقيت على الميم لتدل على ثبوتها إذ ليس إسقاطها للدرج بل للتخفبف فهى ببقاء حركتها في حكم الثابت المبتدأ به والميم بكون الحركة لغيرها في حكم الوقف على السكون دون الحركة كما توهم واعترض بأنه غير معهود في الكلام وقيل هي حركة لالتقاء السواكن التي هي الياء والميم ولام الجلالة بعد سقوط همزتها وأنت خبير بأن سقوطها مبنى على وقوعها في الدرج وقد عرفت أن سكون الميم وقفى موجب لانقطاعها عما بعدها مستدع لثبات الهمزة على حالها لا كما في الحروف والأسماء المبنية على السكون فإن حقها الاتصال بما بعدها وضعا واستعمالا فتسقط بها همزة الوصل وتحرك أعجازها لالتقاء الساكنين ثم أن جعلت مسرودة على نمط التعديد فلا محل لها من الإعراب كسائر الفواتح وإن جعلت اسما للسورة فمحلها إما الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف وإما النصب على إضمار فعل يليق بالمقام ذكر أو اقرأ أو نحوهما وأما الرفع بالابتداء أو النصب بتقدير فعل القسم أو الجر بتقدير حرفه فلا مساغ لشئ منها لما أن ما بعدها غير صالح للخيرية ولا للإقسام عليه فإن الاسم الجليل مبتدأ وما بعده خبره والجملة مستأنفة أي هو المستحق للمعبودية لا غير وقوله عز و جل



الحى القيوم خبر آخر له أو لمبتدأ محذوف أي هو الحى القيوم لا غيره وقيل هو صفة للمبتدأ أو بدل منه او من الخبر الأول أو هو الخبر وما قبله اعتراض بين المبتدأ مقرر لما يفيده الاسم الجليل أو حال منه وأياه ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاق المعبودية به سبحانه وتعالى لما مر من أن معنى الحي الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء ومعنى القيوم الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه ومن ضرورة اختصاص ذينك الوصفين به تعالى اختصاص استحقاق المعبودية به تعالى لاستحالة

34 - آل عمران

به عن شبههم وتحقيقا للحق الذي فيه يمترون

نزل عليك الكتاب أي القرآن عبر عنه باسم الجنس إيذانا بكمال تفوقه على بقية الأفراد في حيازة كمالات الجنس كأنه هو الحقيق بان يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه كما يلوح به التصريح باسمي التوراة والإنجيل وصيغة التفعيل للدلالة على التنجيم وتقديم الظرف على المفعول لما مر من الإعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر والجملة إما مستأنفة أو خبر آخر عن الأسم الجليل أو هي الخبر وقوله تعالى لا إله إلا هو اعتراض او حال وقوله عز و جل الحي القيوم صفة أو بدل كما مر وقرئ نزل عليك الكتاب بالتخفيف ورفع الكتاب فالظاهر حينئذ أن تكون مستأنفة وقيل يجوز كونها خبرا بحذف العائد أي نزل الكتاب من عنده



بالحق حال من الفاعل او المفعول أي نزله محقا في تنزيله على ما هو عليه أو ملتبسا بالعدل في أحكامه أو بالصدق في أخباره التي من جملتها خبر التوحيد وما يليه وفي وعده ووعيده او بما يحقق انه من عند الله تعالى من الحجج البينة.



مصدقا حال من الكتاب بالإتفاق على تقدير كون قوله تعالى بالحق حالا من فاعل نزل وأما على تقدير حاليته من الكتاب فهو عند من يجوز تعدد الحال بلا عطف ولا بدلية حال منه بعد حال وأما عند من يمنعه فقد قيل إنه حال من محل الحال الأولى على البدلية وقيل من المستكن في الجار والمجرور لأنه حينئذ يتحمل ضميرا لقيامه مقام عامله المتحمل له فيكون حالا متداخلة وعلى كل حال فهي حال مؤكدة وفائدة تقييد التنزيل بها حث أهل الكتابين على الإيمان بالمنزل وتنبيههم على وجوبه فإن الإيمان بالمصدق موجب للإيمان بما يصدقه حتما



لما بين يديه مفعول لمصدقا واللام دعامة لتقوية العمل نحو فعال لما يريد أي مصدقا لما قبله من الكتب السالفة وفيه إيماء إلى حضورها وكمال ظهور امرها بين الناس وتصديقه إياها في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وتنزيه الله عز و جل عما لا يليق بشأنه الجليل والأمر بالعدل والإحسان وكذا في انباء الأنبياء والأمم الخالية وكذا في نزوله على النعت المذكور فيها وكذا في الشرائع التي لا تختلف باختلاف للأمم والأعصار ظاهر لا ريب فيه وأما في الشرائع المختلفة باختلافهما فمن حيث إن أحكام كل واحد منها واردة حسبما تقتضيه الحكمة التشريعية بالنسبة إلى خصوصيات الأمم المكلفة بها مشتملة على المصالح اللائقة بشأنهم



وأنزل التوراة والإنجيل تعيين لما بين يديه وتبيين لرفعة محله تاكيدا لما قبله وتمهيدا لما بعده إذ بذلك يترقى شأن ما يصدقه رفعة ونباهة ويزداد في القلوب قبولا ومهابة ويتفاحش حال من كفر بهما في الشناعة واستتباع ما سيذكر من العذاب الشديد والإنتقام أي أنزلهما جملة على موسى وعيسى عليهما السلام وإنما لم يذكرا لأن الكلام في الكتابين لا فيمن أنزلا عليه وهما اسمان أعجميان الأول عبري والثاني سرياني ويعضده القراءة بفتح همزة الإنجيل فإن أفعيل ليس من أبنية العرب والتصدي لإشتقاقهما من الورى والنجل تعسف



من قبل متعلق بأنزل

أي أنزلهما من قبل تنزيل الكتاب والتصريح به مع ظهور الأمر للمبالغة في البيان

هدى للناس في حيز النصب على أنه علة للإنزال أي أنزلهما لهداية الناس أو على أنه حال منهما أي أنزلهما حال كونهما هدى لهم والإفراد لما أنه مصدر جعلا نفس الهدى مبالغة أو حذف منه المضاف أي ذوى هدى ثم إن أريد هدايتهما بجميع ما فيهما من حيث هو جميع فالمراد بالناس الأمم الماضية من حين نزولهما إلى زمان نسخهما وأن أريد هدايتهما على الإطلاق وهو الأنسب بالمقام فالناس على عمومه لما أن هدايتهما بما عد الشرائع المنسوخة من الأمور التي يصدقهما القرآن فيها ومن جملتها البشارة بنزوله وبمبعث النبي تعم الناس قاطبة



وأنزل الفرقان الفرقان في الأصل مصدر كالغفران أطلق على الفاعل مبالغة والمراد به ههنا أما جنس الكتب إلهية عبر عنها بوصف شامل لما ذكر منها ومالم يذكر على طريق التتميم بالتعميم إثر تخصيص بعض مشاهيرها بالذكر كما في قوله عز و جل فأنبتنا فيها حبا وعنبا إلى قوله تعالى وفاكهة وإما نفس الكتب المذكورة أعيد ذكرها بوصف خاص لم يذكر فيما سبق على طريقة العطف بتكرير لفظ الإنزال تنزيلا للتغاير الوصفى منزلة التغاير الذاتي كما في قوله سبحانه ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنو معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ وإما الزبور فإنه مشتمل على المواعظ الفارقة بين الحق والباطل الداعية إلى الخير والرشاد الزاجرة عن الشر والفساد وتقديم الإنجيل عليه مع تأخره عنه نزولا لقوة مناسبته للتوراة في الإشتمال على الأحكام والشرائع وشيوع اقترانهما في الذكر وإما القرآن نفسه ذكر بنعت مادح له بعد ما ذكر باسم الجنس تعظيما لشأنه ورفعا لمكانة وقد بين أولا تنزيله التدريجي إلى الأرض وثانيا إنزاله الدفعى إلى السماء الدنيا أو أريد بإنزال القدر المشترك العارى عن قيد التدريج وعدمه وإما المعجزات المقرونة بغنزال الكتب المذكورة الفارقة بين المحق والمبطل.



إن الذين كفروا بآيات الله وضع موضع الضمير العائد إلى ما فصل من الكتب المنزلة أو منها ومن المعجزات وآيات مضافة إلى الاسم الجليل تعيينا لحيثية كفرهم وتهويلا لأمرهم وتأكيدا لاستحقاقهم العذاب الشديد وإيذانا بأن ذلك الاستحقاق لا يشترط فيه الكفر بالكل بل يكفى فيه الكفر ببعض منها والمراد بالموصول إما أهل الكتابين وهو الأنسب بمقام المحاجة معهم أو جنس الكفرة وهم داخلون فيه دخولا أوليا أي ان الذين كفروا بما ذكر من آيات الله الناطقة بالحق لاسيما بتوحيده تعالى وتنزيهه عما لا يليق بشأنه الجليل كلا أوبعضا مع ما بها من النعوت الموجبة للإيمان بها بأن كذبوا بالقرآن أصالة وبسائر الكتب الإلهية تبعا لما ان تكذيب المصدق موجب لتكذيب ما يصدقه حتما وأصالة أيضا بأن كذبوا بآياتها الناطقة بالتوحيد والتنزيه وآياتها المبشرة بنزول القرآن ومبعث النبي وغيروها

لهم بسبب كفرهم بها

عذاب مرتفع إما على الفاعلية من الجار والمجرور أو على الابتداء والجملة خبر أن والتنوين للتفخيم أي أي عذاب

شديد لا يقادر قدره وهو وعيد جئ به إثر تقرير أمرالتوحيد الذاتي والوصفى والإشارة إلى ما ينطق بذلك من الكتب الإلهية حملا على القبول والإذعان وزجرا عن الكفر والعصيان



والله عزيز لا يغالب يفعل ما يشاء ويحكم ما يرد

ذو انتقام عظيم خارج عن أفراد جنسه وهو افتعال من النقمة وهي السطورة والتسلط يقال انتقم منه إذا عاقبه بجنايته والجملة اعتراض تذييلى مقرر للوعيد

56 - آل عمران

ومؤكد له

إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء أستئناف كلام سيق لبيان سعة علمه تعالى وإحاطته بجميع ما في العالم من الأشياء التي من جملتها ما صدر عنهم من الكفر والفسوق سرا وجهرا إثر بيان كمال قدرته وعزته تربية لما قبله من الوعيد وتنبيها على أن الوقوف على بعض المغيبات كما كان في عيسى عليه السلام بمعزل من بلوغ رتبة الصفات الآلهية وإنما عبر من علمه عز و جل بما ذكر بعدم خفائه عليه كما في قوله سبحانه وما يخفي على الله من شيء في الأرض ولا في السماء إيذانا بأن علمه تعالى بمعلوماته وإن كانت في أقصى الغايات الخفية ليس من شأنه أن يكون على وجه يمكن أن يقارنه شائبه خفاء بوجه من الوجوه كما في علوم المخلوقين بل هو في غايه الوضوح والجلاء والجملة المنفية خبر لإن وتكرير الإسناد لتقوية الحكم وكلمة في متعلقة بمحذوف وقع صفة لشيىء مؤكدة لعمومه المستفادة من وقوعه في سياق النفي أي لا يخفي عليه شيئ ما كائن في الأرض ولا في السماء أعم من أن يكون ذلك بطريق الاستقرار فيهما أو الجزئية منهما وقيل متعلقة بيخفي وإنما عبر بهما عن كل العالم لأنهما قطراه و تقديم الأرض على السماء لإظهار الأعتناء بشأن أحوال أهلها وتوسيط حرف النفي بينهما للدلالة على الترقي من الادنى إلى الاعلى باعتبار القرب والبعد منا المستدعيين للتفاوت بالنسبة إلى علومنا وقوله عز و جل .



هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء جملة مستأنفة ناطقة ببعض أحكام قيوميته تعالى وجريان أحوال الخلق في أطوار الوجود حسب مشيئته المبنية على الحكم البالغة مقررة لكمال علمه مع زيادة بيان لتعلقه بالأشياء قبل دخولها تحت الوجود ضرورة وجوب علمه تعالى بالصور المختلفة المترتبة على التصوير المترتب على المشيئة قبل تحققها بمراتب وكلمة في متعلقة بيصوركم او بمحذوف وقع حالا من ضمير المفعول أي يصوركم وأنتم في الأرحام مضغ وكيف معمول ليشاء والجمله في محل النصب على الحالية إما من فاعل يصوركم أي يصوركم كائنا على مشيئته تعالى أي مريدا أو من مفعوله أي يصوركم كائنين على مشيئته تعالى تابعين لها في قبول الأحوال المتغايرة من كونكم نطفا ثم علقا ثم مضغا غير مخلقة ثم مخلقة و في الإتصاف بالصفات المختلفة من الذكورة والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك من الصفات وفيه من الدلالة على بطلان زعم من زعم ربوبية عيسى عليه السلام وهو من جملة أبناء النواسيت المتقلبين في هذه الأطوار على مشيئة الباري عز و جل وكمال ركاكة عقولهم مالا يخفي وقرئ تصوركم على صيغة الماضي من التفعل أي صوركم لنفسه وعبادته.



لا إله إلا هو إذ لا يتصف بشيء مما ذكر من الشئون العظيمة الخاصة بالألوهية أحد ليتوهم ألوهيته

العزيز الحكيم المتناهي في القدرة والحكمة ولذلك يخلقكم على ما ذكر من النمط البديع



7 - آل عمران

هو الذي أنزل عليك الكتاب شروع في إبطال شبههم الناشئة عما نطق به القرآن في نعت عيسى عليه السلام بطريق الاستئناف إثر بيان اختصاص الربوبية ومناطها به سبحانه وتعالى تارة بعد اخرى وكون كل من عداه مقهورا تحت ملكوته تابعا لمشيئته قيل إن وفد نجران قالوا لرسول الله ألست تزعم يا محمد أن عيسى كلمة الله وروح منه قال بلى قالوا فحسبنا ذلك فنعى عليهم زيغهم وفتنتهم وبين أن الكتاب مؤسس على أصول رصينة وفروع مبنية عليها ناطقة بالحق قاضية ببطلان ما هم عليه من الضلال والمراد بالإيزال القدر المشترك المجرد عن الدلالة على قيد التدريج وعدمه ولام الكتاب للعهد وتقديم الظرف عليه لما أشير إليه فيما قبل من الاعتناء بشأن بشارته عليه السلام بتشريف الإنزال عليه ومن التشويق إلى ما أنزل فإن النفس عند تأخير ما حقه التقديم لا سيما بعد الإشعار برفعه شانه أو بمنفعته تبقى مترقبة له فيتمكن لديها عند وروده عليها فضل تمكن وليتصل به تقسيمه إلى قسيمه

منه آيات الظرف خبر وآيات مبتدأ أو بالعكس بتأويل مر تحقيقه في قوله تعالى ومن الناس من يقول الآية والأول اوفق بقواعد الصناعة والثاني ادخل في جزالة المعنى إذ المقصود الأصلى انقسام الكتاب الى القسمين المعهودين لا كونهما من الكتاب فتذكر والجملة مستأنفة أو في حيز النصب على الحالية من الكتاب أي هو الذي أنزل الكتاب كائنا على هذه الحال أي منقسما الى محكم ومتشابه أو الظرف هو الحال وحده وآيات مرتفع به على الفاعلية

محكمات صفة آيات أي قطعية الدلالة على المعنى المراد محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال والاشتباه



هن أم الكتاب أي اصل فيه وعمدة يرد إليها غيرها فالمراد بالكتاب كله والإضافة بمعنى في كما في واحد العشرة لا بمعنى اللام فإن ذلك يؤدى الى كون الكتاب عبارة عما عدا المحكمات والجملة إما صفة لما قبلها أو مستأنفة وإنما افرد الام مع تعدد الآيات لما ان المراد بيان أصلية كل واحدة منها او بيان ان الكل بمنزلة آية واحدة كما في قوله تعالى وجعلناها وابنها آية للعالمين وقيل اكتفى بالمفرد عن الجمع كما في قول الشاعر ... بها جيف الحصرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب ... أي وأما جلودها

وآخر لمحذوف معطوف على آيات أي وآيات أخر وهي جمع أخرى وإنما لم ينصرف لأنه وصف معدول عن الأخر أو عن آخر من

متشابهات صفة لأخر وفي الحقيقة صفة للمحذوف أي محتملات لمعان متشابهة لا يمتاز بعضها من بعض في استحقاق الإرادة بها ولا يتضح الأمر إلا بالنظر الدقيق والتأمل الأنيق فالتشابه في الحقيقة وصف لتلك المعاني وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بوصف المدلول وقيل لما كان من شان الأمور المتشابهة أن يعجز العقل عن التمييز بينها سمى كل ما لا يهتدى إليه العقل متشابها وإن لم يكن ذلك بسبب التشابه



89 - آل عمران

ربنا لا تزغ قلوبنا من تمام مقاله الراسخين أي لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه قال قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه على الحق وإن شاء أزاغه عنه وقيل معناه لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا

بعد إذ هديتنا أي إلى الحق والتأويل الصحيح أو إلى الإيمان بالقسمين وبعد نصب بلا تزغ على الظرف وإذ في محل الجر بإضافتة إليه خارج من الظرفية أي بعد وقت هدايتك إيانا وقيل إنه بمعنى أن

وهب لنا من لدنك كلا الجارين متعلق بهب وتقديم الاول لما مر مرارا ويجوز تعلق الثاني بمحذوف هو حال من المفعول أي كائنة من لدنك ومن لابتداء الغاية المجازية ولدن في الأصل ظرف بمعنى أول غاية زمان أو مكان أو غيرهما من الذوات نحو من لدن زيد وليست مرادفة لعند إذ قد تكون فضلة وكذا لدى وبعضهم يخصها بظرف المكان وتضاف إلى صريح الزمان كما في قوله ... تنتفض الرعدة في ظهيرى ... من لدن الظهر إلى العصير ... ولا تقطع عن الإضافة بحال وأكثر ما تضاف إلى المفردات وقد تضاف إلى أن وصلتها كما في قوله ... ولم تقطع أصلا من لدن أن وليتنا ... قرابة ذي رحم ولا حق مسلم ... أي من لدن ولايتك أيانا وقد تضاف إلى الجملة الاسمية كما في قوله ... تذكر نعماه لدن أنت يافع ... وإلى الجملة الفعلية أيضا كما في قوله ... لزمنا لدن سالتمونا وفاتكم ... فلا يك منكم للخلاف جنوح ... وقلما تخلو عن من كما في البيتين الأخيرين

رحمة واسعة تزلفنا إليك ونفور بها عندك او توفيقا للثبات على الحق وتأخير المفعول الصريح عن الجارين لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مترقبه لوروده لاسيما عند الإشعار بكونه من المنافع باللام فإذا أورده يتمكن عندها فضل تمكن

أنك أنت الوهاب تعليل للسؤال أو لإعطاء المسئول وأنت إما مبتدأ أو فصل أو تأكيد لاسم أن وإطلاق الوهاب ليتناول كل موهوب وفيه دلالة على أن الهدى والضلال من قبله تعالى وأنه متفضل بما ينعم به على عباده من غير أن يجب عليه شئ

ربنا إنك جامع الناس ليوم أي الحساب يوم او الجزاء يوم حذف المضاف وأقيم مقامه المضاف إليه تهويلا له وتفظيعا لما يقع فيه

لاريب فيه أي في وقوعه ووقوع ما فيه من الحشر والحساب والجزاء ومقصودهم بهذا عرض كمال افتقارهم إلى الرحمة وأنها المقصد الأسنى عندهم والتأكيد لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينة وقوة اليقين بأحوال الآخرة.



إن الله لايخلف الميعاد تعليل لمضمون الجملة المؤكدة أو لانتفاء الريب والتأكيد لما مر وإظهار الاسم الجليل مع الالتفات لإبراز كمال التعظيم والإجلال الناشئ من ذكر اليوم المهيب الهائل بخلاف ما في آخر السورة الكريمة فإنه مقام طلب الإنعام كما سيأتي وللإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية منافية للإخلاف وقد جوز أن تكون الجملة مسوقة من جهته تعالى لتقرير قول الراسخين والميعاد مصدر كالميقات واستدل به الوعيديه

1011 - آل عمران

وأجيب بأن وعيد الفساق مشروط بعدم العفو بدلائل مفصلة كما هو مشروط بعدم التوبة وفاقا

إن الذين كفروا إثر ما بين الدين الحق والتوحيد وذكر أحوال الكتب الناطقة به وشرح شأن القرآن العظيم وكيفية إيمان العلماء الراسخين به شرع في بيان حال من كفر به والمراد بالموصول جنس الكفرة الشامل لجميع الأصناف وقيل وفد نجران أو اليهود من قريظة والنضير أو مشركو العرب

لن تغنى عنهم أي لن تنفعهم وقرئ بالتذكير وبسكون الياء جدا في استثقال الحركة على حروف اللين

أموالهم التي يبذلونها في جلب المنافع ودفع المضار

ولا أولادهم الذين بهم ينتصرون في الأمور المهمة وعليهم يعولون في الخطوب الملمة وتأخير الأولاد عن الأموال مع توسيط حرف النفى بينهما أما لعراقة الأولاد في كشف الكروب أو لأن الأموال أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب

من الله من عذابه تعالى

شيئا أي شيئا من الإغنياء وقيل كلمة من بمعنى البدل والمعنى بدل رحمة الله أو بدل طاعته كما في قوله تعالى ان الظن لا يغنى من الحق شيئا أي بدل الحق ومنه قوله ولا ينفع ذا الجد منك الجد أي لا ينفعه جده بدلك أي بدل رحمتك كما في قوله تعالى وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى وأنت خبير بان احتمال سد أموالهم وأولادهم مسد رحمة الله تعالى أو طاعته مما لا يخطر ببال أحد حتى يتصدى لنفيه والأول الأليق بتفظيع حال الكفرة وتهويل أمرهم والأنسب بما بعده من قوله تعالى.



وأولئك هم وقود النار ومن قوله تعالى فأخذهم الله أي اولئك المتصفون بالكفر حطب النار وحصبها الذي تسعر به فإن أريد بيان حالهم عند التسعير فإيثار الجملة الاسمية للدلالة على تحقق الأمر وتقررة وإلا فهو للإيذان بان حقيقة حالهم ذلك وان أحوالهم الظاهرة بمنزلة العدم فهم حال كونهم في الدنيا وقود النار بأعيانهم وفيه من الدلالة على كمال ملابستهم بالنار مالا يخفى وهم يحتمل الابتداء وأن يكون ضمير الفصل والجملة وإما مستأنفة مقررة لعدم الإغنياء أو معطوفة على خبر أن وأيا ما كان ففيها تعيين للعذاب الذي بين أن أموالهم وأولادهم لا تغنى عنهم منه شيئا وقرئ وقود النار بضم الواو وهو مصدر أي أهل وقودها

كدأب آل فرعون الدأب مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه وتعب غلب استعماله في معنى الشأن والحال والعادة ومحل الكاف الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف وقد جوز لنصب بلن تغنى أو بالوقود أي لن تغنى عنهم كما لم تغن عن اولئك أو توقد بهم النار كما توقد بهم وأنت خبير بان المذكور في تفسير الدأب إنما هو التكذيب والأخذ من غير تعرض لعدم الإغناء لاسيما على تقدير كون من بمعنى البدل كما هو رأى المجوز ولا لإيقاد النار فيحمل على التعليل وهو خلاف

12 - آل عمران

الظاهر على أنه يلزم الفصل بين العامل والمعمول بالأجنبي على تقدير النصب بلن تغني وهو قوله تعالى وأولئك هم وقود النار إلا أن يجعل استئنافا معطوفا على خبر إن فالوجه هو الرفع على الخبرية أي دأب هؤلاء في الكفر وعدم النجاة من أخذ الله تعالى وعذابه كدأب آل فرعون

والذين من قبلهم أي من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة فالموصول في محل الجر عطفا على ما قبله وقوله تعالى

كذبوا بآياتنا بيان وتفسير لدأبهم الذي فعلوا على طريق الأستئناف المبني على السؤال كأنه قيل كيف كان دأبهم فقيل كذبوا بآياتنا وقوله تعالى

فأخذهم الله تفسير لدأبهم الذي فعل بهم أي فأخذهم الله وعاقبهم ولم يجدوا من بأس الله تعالى محيصا فدأب هؤلاء الكفرة أيضا كدأبهم وقيل كذبوا الخ حال من آل فرعون والذين من قبلهم على إضمار قد أي دأب هؤلاء كدأب أولئك وقد كذبوا الخ وأما كونه خبر عن الموصول كما قيل فمما يذهب برونق النطم الكريم والإلتفات إلى التكلم أولا للجري على سنن الكبرياء وإلى الغيبة ثانيا بإظهار الجلالة لتربية المهابة وإدخال الروعة

بذنوبهم إن اريد بها تكذيبهم بالآيات فالباء للسببية جئ بها تأكيدا لما تفيده الفاء من سببية ما قبلها لما بعدها وإن أريد بها سائر ذنوبهم فالباء للملابسة جيء بها للدلالة على أن لهم ذنوبا أخر أي فأخذهم ملتبسين بذنوبهم غير تائبين عنها كما في قوله تعالى وتزهق أنفسهم وهم كافرون والذنب في الأصل التلو والتابع وسمي الجريمة ذنبا لأنها تتلو أي تتبع عقابها فاعلها

والله شديد العقاب تذييل مقرر لمضمون ما قبله من الأخذ وتكملة له.



قل للذين كفروا المراد بهم اليهود لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهود المدينة لما شاهدوا غلبة رسول الله على المشركين يوم بدر قالوا والله إنه النبي الأمي الذي بشرنا به موسى وفي التوراة نعته وهموا باتباعه فقال بعضهم لا تعجلوا حتى ننظر إلى واقعة له أخرى فلما كان يوم أحد شكوا وقد كان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة فنقضوه وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى أهل مكة فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله فنزلت وعن سعيد بن جبير وعكرمة وعن ابن عباس رضي الله عنهم أن النبي لما أصاب قريشا ببدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فحذرهم ان ينزل بهم ما نزل بقريش فقالوا لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس فنزلت أي قل لهم

ستغلبون البتة عن قريب في الدنيا وقد صدق الله عز و جل وعده بقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وفتح خيبر وضرب الجزية على من عداهم وهو من أوضح شواهد النبوة واما ما روى عن مقاتل من أنها نزلت قبل بدر وأن الموصول عبارة عن مشركي مكة ولذلك قال لهم النبي يوم بدر إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم وبئس المهاد فيؤدي إلى انقطاع الآية الكريمة عما بعدها لنزوله بعد وقعة بدر

وتحشرون أي في الآخرة

إلى جهنم وقرئ الفعلان بالياء على أنه عليه السلام أمر بأن يحكي لهم ماأخبر الله تعالى به من وعيدهم بعبارته كأنه قيل أد إليهم هذا القول

وبئس المهاد إما من تمام ما يقال لهم أو استئناف لتهويل جهنم وتفظيع حال أهلها والمخصوص بالذم

13 - آل عمران

محذوف أي وبئس المهاد جهنم أو ما مهدوه لأنفسهم

6 - قد كان لكم جواب قسم محذوف وهو من تمام القول المأمور به جيء به لتقرير مضمون ما قبله وتحقيقه والخطاب لليهود أيضا والظرف خبر كان على أنها ناقصة ولتوسطه بينها وبين اسمها ترك التأنيت كما في قوله ... إن امرأ غره منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور ... على ان التأنيث ههنا غير حقيقي او هو متعلق بكان على أنها تامة وإنما قدم على فاعلها لما مر مرارا من الأعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أخر أي والله قد كان لكم أيها المغترون بعددهم وعددهم

آية عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم إنكم ستغلبون

في فئتين أي فرقتين أو جماعتين فإن المغلوبة منهما كانت مدلة بكثرتها معجبة بعزتها وقد لقيها ما لقيها فسيصيبكم ما يصيبكم ومحل الظرف الرفع على أنه صفة لآية وقيل النصب على خبرية كان والظرف الأول متعلق بمحذوف وقع حالا من آية

التقتا في حيز الجر على أنه صفة فئتين أي تلاقتا بالقتال يوم بدر

فئة بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي إحداهما فئة كما في قوله ... إذا مت كان الناس حزبين شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع ... أي أحدهما شامت والآخر مثن وقوله ... حتى إذا ما استقل النجم في غلس ... وغودر البقل ملوي ومحصود ... والجملة مع ما عطف عليها مستأنفة لتقرير ما في الفئتين من الآية وقوله تعالى

تقاتل في سبيل الله في محل الرفع على أنه صفة فئة كاملة كأنه قيل فئة مؤمنة ولكن ذكر مكانه من أحكام الإيمان ما يليق بالمقام مدحا لهم واعتدادا بقتالهم وإيذانا بأنه المدار في تحقق الآية وهي رؤية القليل كثيرا وقرئ يقاتل على تأول الفئة بالقوم أو الفريق

وأخرى نعت لمبتدأ محذوف معطوف على ما حذف من الجملة الأولى أي وفئة أخرى وإنما نكرت والقياس تعريفها كقرينتها لوضوح أن التفريق لنفس المثنى المقدم ذكره وعدم الحاجة إلى التعريف وقوله تعالى

كافرة خبر المبتدأ المحذوف وإنما لم توصف هذه الفئة بما يقابل صفة الفئة الأولى إسقاطا لقتالهم عن درجة الأعتبار وإيذانا بأنهم لم يتصدوا للقتال لما اعتراهم من الرعب والهيبة وقيل كل من المتعاطفين بدل من الضمير في التقتا وما بعدهما صفة فلا بد من ضمير محذوف عائد إلى المبدل منه مسوغ لوصف البدل بالجملة العارية عن ضميره أي فئة منهما تقاتل الخ وفئة أخرى كافرة ويجوز ان يكون كل منهما مبتدأ وما بعدهما خبرا أي فئة منهما تقاتل الخ وفئة أخرى كافرة وقيل كل منهما مبتدأ محذوف الخبر أي منهما فئة تقاتل الخ وقرئ فئة بالجر على البدلية من فئتين بدل بعض من كل وقد مر أنه لا بد من ضمير عائد إلى المبدل منه ويسمى بدلا تفصيليا كما في قول كثير عزة ... وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت ... وقرئ فئة الخ بالنصب على المدح أو الذم أو على الحالية من ضمير التقتا كأنه قيل التقتا مؤمنة وكافرة فيكون فئة وأخرى توطئة لما هو الحال حقيقة إذ المقصود بالذكر وصفاهما كما في قولك جاءني زيد رجلا صالحا

يرونهم أي يرى الفئة الأخيرة الفئة الأولى وإيثار

14 - آل عمران

الخطاب فظاهرها وإن اقتضى توجيه الخطاب الثاني الى المشركين لكنه ليس بنص في ذلك لأنه وإن اندفع به المحذور الأخير فالأول باق بحاله فلعل رؤية المشركين نزلت منزلة رؤية اليهود لما بينهم من الإتحاد في الكفر والأتفاق في الكلمة لاسيما بعد ما وقع بينهم بواسطة كعب بن الأشرف من العهد والميثاق فأسندت الرؤية إليهم مبالغة في البيان وتحقيقا لعروض مثل تلك الحالة لهم فتدبر وقيل المراد جميع الكفرة ولا ريب في صحته وسداده وقرئ يرونهم وترونهم على البناء للمفعول من الأرادة أي يريهم أو يريكم الله تعالى كذلك

رأي العين مصدر مؤكد ليرونهم إن كانت الرؤية بصرية أو مصدر تشبيهى إن كانت قلبية أي رؤية ظاهرة مكشوفة جارية مجرى رؤية العين

والله يؤيد أي يقوى

بنصره من يشاء أن يؤيده من غير توسيط الأسباب العادية كما أيد الفئة المقاتلة في سبيله بما ذكر من النصر وهو من تمام القول المأمور به

إن في ذلك إشارة إلى ما ذكر من رؤية القليل كثيرا المستتبعة لغلبة القليل العديم العدة على الكثير الشاكي السلاح وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلة المشار إليه في الفضل

لعبرة العبرة فعلة من العبور كالركبة من الركوب والجلسة من الجلوس والمراد بها الاتعاظ فإنه نوع من العبور أي لعبرة عظيمة كائنة

لأولى الأبصار لذوي العقول والبصائر وقيل لمن أبصرهم وهو إما من تمام الكلام الداخل تحت القول مقرر لما قبله بطريق التذييل وإما وارد من جهته تعالى تصديقا لمقالته عليه الصلاة و السلام



زين للناس كلام مستأنف سيق لبيان حقارة شأن الحظوظ الدنيوية بأصنافها وتزهيد للناس فيها وتوجيه رغباتهم إلى ما عنده تعالى إثر بيان عدم نفعها للكفرة الذين كانوا يتعززون بها والمراد بالناس الجنس

حب الشهوات الشهوة نزوع النفس إلى ما تريده والمراد ههنا المشتهيات عبر عنها بالشهوات مبالغة في كونها مشتهاة مرغوبا فيها كأنها نفس الشهوات أو أيذانا بانهما كهم في حبها بحيث أحبوا شهواتها كما في قوله تعالى إني أحببت حب الخير أو استرذالا لها فإن الشهوة مسترذلة مذمومة من صفات البهائم والمزين هو الباري سبحانه وتعالى إذ هو الخالق لجميع الأفعال والدواعي والحكمة في ذلك ابتلاؤهم قال تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم الآية فإنها ذريعة لنيل سعادة الدارين عند كون تعاطيها على نهج الشريعة الشريفة وسيلة إلى بقاء النوع وإيثار صيغة المبنى للمفعول للجرى على سنن الكبرياء وقرئ على البناء للفاعل وقيل المزين هو الشيطان لما أن مساق الاية الكريمة على ذمها وفرق الجبائى بين المباحات فأسند تزيينها إليه تعالى وبين المحرمات فنسب تزيينها إلى الشيطان

من النساء والبنين في محل النصب على أنه حال من الشهوات وهي مفسرة لها في المعنى وقيل من لبيان الجنس وتقديم النساء على البنين لعراقتهن في معنى الشهوة فإنهن حبائل الشيطان وعدم التعرض للبنات لعدم الاطراد في حبهن

والقناطير المقنطرة جمع قنطار وهو المال الكثير وقيل مائة الف دينار وقيل ملء مسك ثور وقيل

15 - آل عمران

سبعون ألفا وقيل أربعون الف مثقال وقيل ثمانون ألفا وقيل مائة رطل وقيل ألف ومائتا مثقال وقيل ألفا دينار وقيل مائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم وقيل دية النفس واختلف في أن وزنه فعلال أو فنعال ولفظ المقنطرة مأخود منه للتأكيد كقولهم بدرة مبدرة وقيل المقنطرة المحكمة المحصنة وقيل الكثيرة المنضدة بعضها على بعض أو المدفونه وقيل المضروبة المنقوشة

من الذهب والفضة بيان للقناطير أو حال

والخيل عطف على القناطير قيل هى جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط الواحد فرس وقيل واحدة خائل وهو مشتق من الخيلاء

المسومة أي المعلمة من السومة وهي العلامة أو المرعية من أسام الدابة وسومها إذا أرسلها وسيبها للرعى أو المطهمة التامة الخلق

والأنعام أي الإبل والبقر والغنم

والحرث أي الزرع مصدر بمعنى المفعول

ذلك أي ما ذكر من الأشياء المعهودة

متاع الحياة الدنيا أي ما يتمتع به في الحياة الدنيا أياما قلائل فتفنى سريعا

والله عنده حسن المآب حسن المرجع وفيه دلالة على أن ليس فيما عدد عاقبة حميدة وفي تكرير الإسناد بجعل الجلالة مبتدأ وإسناد الجملة الظرفية إليه زيادة تأكيد وتفخيم ومزيد اعتناء بالترغيب فيما عند الله عز و جل من النعم المقيم والتزهيد في ملاذ الدنيا وطيباتها الفانية



قل أؤنبئكم بخير من ذلكم إثر ما بين شان مزخرفات الدنيا وذكر ما عنده تعالى من حسن المآب إجمالا أمر النبي بتفاصيل ذلك المجمل للناس مبالغة في الترغيب والخطاب للجميع والهمزة للتقرير أي أأخبركم بما هو خير مما فصل من تلك المستلذات المزينة لكم وإبهام الخير لتفخيم شأنه والتشويق إليه وقوله تعالى

للذين اتقوا عند ربهم جنات استئناف مبين لذلك المبهم على أن جنات مبتدأ والجار والمجرور خبر أو على أن جنات مرتفع به على الفاعلية عند من لايشترط في ذلك اعتماد الجار على ما فصل في محلة والمراد بالتقوى هو التبتل إلى الله تعالى والإعراض عما سواه على ما تنبىء عنه النعوت الآتية وتعليق حصول الجنات وما بعدها من فنون الخيرات به للترغيب في تحصيله والثبات عليه وعند نصب على الحالية من جنات أو متعلق بما تعلق به الجار من معنى الاستقرار مفيد لكمال علو رتبة الجنات وسمو طبقتها والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المتقين لإظهار مزيد اللطف بهم وقيل اللام متعلقة بخير وكذا الظرف وجنات خبر مبتدأ محذوف والجملة مبينة لخير ويؤيده قراءة جنات بالجر على البدلية من خير ولا يخفى أن تعليق الإخبار والبيان بما هو خير لطائفة ربما يوهم أن هناك خيرا آخر لآخرين

تجرى في محل الرفع والجر صفة لجنات على حسب القراءتين

من تحتها الأنهار متعلق بتجرى فإن أريد بالجنات نفس الأشجار كما هو الظاهر فجريانها من تحتها ظاهر وإن أريد بها مجموع الأرض والأشجار فهو باعتبار جزئها الظاهر كما مر تفصيله مرارا

خالدين فيها حال مقدرة من المستكن في للذين والعامل ما فيه من معنى الاستقرار

وأزواج مطهرة عطف على جنات أي مبرأة مما يستقذر من النساء من

161718 - 8 آل عمران

الأحوال البدنية والطبيعية

ورضوان التنوين للتفخيم وقوله تعالى

من الله متعلق بمحذوف وقع صفة له مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة أي رضوان وأي رضوان لايقادر قدره كائن من الله عز و جل وقرئ بضم الراء

والله بصير بالعباد وبأعمالهم فيثيب ويعاقب حسبما يليق بها أو بصير بأحوال الذين اتقوا ولذلك أعد لهم ما ذكر وفيه إشعار بانهم المستحقون للتسمية باسم العبد.



If you enjoyed this post Subscribe to our feed

No Comment

Post a Comment